دراسة تكشف تباطؤ التحول الأخضر في ألمانيا وتحذر من تراجع أولوية الاستدامة
دراسة تكشف تباطؤ التحول الأخضر في ألمانيا وتحذر من تراجع أولوية الاستدامة
يشهد ملف حماية المناخ والاستدامة تراجعاً ملحوظاً داخل الشركات في ألمانيا، وفق ما كشفت عنه دراسة حديثة تعكس تحولاً مقلقاً في أولويات القطاع الاقتصادي، فبعد سنوات من تصدر هذا الملف أجندة الشركات، بدأت مؤشرات واضحة تظهر على فقدانه الزخم، في وقت تتزايد فيه الضغوط العالمية لمواجهة التغير المناخي وتسريع التحول نحو التحول الأخضر واقتصاد أكثر استدامة.
وبحسب الدراسة التي نشرتها مؤسسة بيرتلسمان بالتعاون مع مؤسسة ميركاتور ونقلتها وكالة الأنباء الألمانية الخميس، فإن نحو 60% من أكثر من 800 شركة شملها الاستطلاع أفادت بأن موضوع الاستدامة فقد أولويته داخل مؤسساتها، وتعد هذه قفزة كبيرة مقارنة بعام 2025، حين لم تتجاوز النسبة 14%، ما يشير إلى تحول سريع في توجهات الشركات خلال فترة قصيرة.
معوقات سياسية واقتصادية
ورغم هذا التراجع، لا تزال 73% من الشركات في قطاعي الاقتصاد الحقيقي والمالي تحتفظ بمسؤولية الاستدامة على مستوى الإدارة العليا ومجالس الإدارة، وهي نسبة لم تتغير عن العام السابق، كما تؤكد الشركات تمسكها بأهدافها المناخية، إلا أن وتيرة التنفيذ باتت أبطأ، ما يعكس فجوة متزايدة بين الالتزامات المعلنة والتطبيق الفعلي على الأرض داخل ألمانيا.
ترى الشركات أن أبرز التحديات التي تعوق تقدمها في هذا المجال تتمثل في غياب وضوح الإطار السياسي ونقص الحوافز السوقية، وقد ارتفعت نسبة من يعدون هذه العوامل عائقاً رئيسياً بمقدار 30 نقطة مئوية مقارنة بالعام الماضي، ويشير هذا الارتفاع إلى حالة من عدم اليقين تدفع الشركات إلى التريث في اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأمد مرتبطة بالتحول الأخضر.
تراجع في إدماج الاستدامة
كما أظهرت الدراسة انخفاضاً في نسبة الشركات التي تدمج الاستدامة ضمن استراتيجياتها المؤسسية بمقدار 7 نقاط مئوية، وهذا التراجع يعكس تغيراً في الأولويات، حيث تواجه الشركات ضغوطاً اقتصادية وتنافسية تدفعها إلى التركيز على النتائج قصيرة المدى، على حساب الاستثمارات البيئية التي تحتاج إلى وقت أطول لتحقيق عوائد ملموسة.
حذر ياكوب كونتسلمن، خبير الاستدامة في مؤسسة بيرتلسمان، من أن غياب إشارات واضحة وموثوقة من السياسات العامة والأسواق داخل ألمانيا قد يؤدي إلى دخول التحول نحو الاستدامة في مرحلة من الجمود، ويعني ذلك أن الشركات قد تؤجل أو تبطئ مشاريعها البيئية، ما يهدد بتقويض التقدم المحرز خلال السنوات الماضية.
مؤشرات إيجابية رغم التراجع
في المقابل، لا تزال هناك إشارات إيجابية تعكس استمرار الاهتمام النسبي بالملف المناخي، فقد ارتفعت نسبة الشركات التي وضعت أهدافاً مناخية من 53% إلى 59%، كما سجلت البنوك ارتفاعاً أكبر من 46% إلى 65%. ويشير ذلك إلى أن الوعي بأهمية الاستدامة لم يختفِ، بل يواجه تحديات تتعلق بآليات التنفيذ.
أكد فيليب فيسمان، مدير المشروعات في مجال التكيف مع تغير المناخ في مؤسسة ميركاتور، أن تسجيل الانبعاثات وتحديد الأهداف يمثلان خطوة مهمة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الأهداف إلى خطط تنفيذية واضحة تتضمن قرارات استثمارية وجداول زمنية محددة وآليات تمويل قابلة للتطبيق.
اقتصاد تحت ضغط التحول
يأتي هذا التراجع في وقت يواجه فيه الاقتصاد الألماني تحديات متعددة، منها تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الطاقة والتغيرات في سلاسل الإمداد العالمية، هذه العوامل تجعل من الصعب على بعض الشركات تخصيص موارد كافية لمشاريع الاستدامة، خاصة في ظل غياب دعم حكومي كافٍ أو حوافز مالية مشجعة.
تلعب السياسات الحكومية دوراً محورياً في توجيه الشركات نحو الاستدامة. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن غموض الإطار التنظيمي الحالي يحد من قدرة الشركات على التخطيط طويل الأمد، ويؤكد خبراء أن توفير سياسات مستقرة وحوافز واضحة يمكن أن يعيد الزخم إلى عملية التحول الأخضر.
تأثيرات عالمية محتملة
لا يقتصر تأثير هذا التراجع على ألمانيا وحدها، بل قد يمتد إلى الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ؛ نظراً للدور الكبير الذي يلعبه الاقتصاد الألماني على مستوى أوروبا والعالم، وأي تباطؤ في هذا السياق قد ينعكس سلباً على تحقيق الأهداف المناخية الدولية.
تسعى ألمانيا إلى تحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2045، وهو هدف طموح يتطلب تحولاً شاملاً في مختلف القطاعات الاقتصادية، من الصناعة والطاقة إلى النقل والخدمات المالية، وقد تبنت الحكومة خلال السنوات الماضية مجموعة من السياسات لدعم هذا التحول، منها التوسع في الطاقة المتجددة وفرض معايير بيئية أكثر صرامة، ومع ذلك، يواجه هذا المسار تحديات متزايدة، أبرزها التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، إضافة إلى الحاجة إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متطورة، وتأتي هذه الدراسة لتسلط الضوء على الفجوة بين الطموحات السياسية والواقع العملي داخل الشركات، ما يبرز أهمية تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص لضمان استمرار التقدم نحو مستقبل أكثر استدامة.










